عبد الملك الخركوشي النيسابوري

321

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

فمدها ، ثم قال : لو قلت إنما جف هذا على هذا من المحبة لصدقت ، ثم أغمي عليه حتى غاب ثم تورد وجهه حتى صار مثل دارة القمر ، فما استطعنا أن ننظر إليه من حسنه حتى غطينها وجهه . لأبى عثمان المزين : وسكر الوجد في معناه صحو * وصحو الوجد في سكر الوصال وحكى عن الشبلي أنه تواجد يوما في مجلسه ، وقال : آه ، ليس يدرى ما بقلبي سواه فقيل له : آه من أي شئ ؟ فقال : آه من كل شئ . وقيل : الوجد مكاشفات من الحق ، ألا ترى أنّ أحدهم يكون ساكنا فيتحرك ، فيظهر منه الزفير والشهيق ، وقد يكون من هو قوى ساكنا في وجده لا يظهر منه شئ من ذلك ، قال اللّه عزّ وجلّ : الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ « 1 » . وقال المرتعش : من تواجد ولم ير في تواجده زيادة في دينه ، فينبغي أن يستحيى ويتوب منه . وقيل : الوجد ضربان ؛ أحدهما : وجد ملك ، كقوله تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ « 2 » ، معناه : فمن لم يملك . والثاني : وجد لقاء ، لقوله عزّ وجلّ : فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا « 3 » ، يعنى لقوا . - وسئل أبو سعيد القرشي عن الفرق بين الوجد والوجود ، فقال : الوجد أتمّ من الوجود ، لأن الوجد لا تطلبه أنت فتجده بكسبك واجتهادك والوجود ما تجده من اللّه تعالى الجواد الكريم ، والوجد من غير تمكين والوجود مع التمكين ، والوجد شبه العزم ، والوجود العطية .

--> ( 1 ) سورة الأنفال : 2 . ( 2 ) سورة البقرة : 196 . ( 3 ) سورة الكهف : 49 .